دروس لن يتعلمها لبنان من ليبيا والسودان

وجهة نظر

نديم قطيش :

ربما مل اللبنانيون من مقارنة ما آلت إليه أوضاعهم، مع نجاحات راهنة تعيشها دول سبقتهم. وملوا من المقارنة القاسية بين واقعهم المهين وماضيهم الجميل، أو الأقل بؤساً ومهانة. فلا طاقة لهم على شروط النجاح المعاصر، الصعبة والمكلفة، ولا تكفيهم النوستالجيا، وهذه وهمٌ قاتلٌ يقيم في المسافة الفاصلة بين ذكرانا عن الأشياء والأزمنة، وما كانته الأشياء والأزمنة بالفعل، كما يقول الروائي مارسيل بروست.

ثمة محاولات تحول وانتقال تشهدها مجتمعات ودول كانت حتى الأمس القريب تصنف ضمن قائمة الدول الفاشلة، أو التائهة، وهي ما ينبغي أن يراقبه اللبنانيون بكل هدوء وتواضع. فلا التشاوف الأجوف على البدو الذي انزلق إليه وزير خارجية لبنان يلغي الفارق الحضاري بين ما صارته بيروت وما صارته «مدن البدو»، ولا تربيح الجميل بالخبرات اللبنانية التي ساهمت فعلاً في النجاح والنهوض، يلغي حقيقة أن هذه المساهمات لم تحصل في الفراغ بل في ظل بيئة حاضنة تقنية وقانونية وعلاقاتية، غير متوفرة في لبنان لتفعيل هذه الخبرات أصلاً.

أزمات لبنان كثيرة بالطبع، لكن اختزالها ممكن إلى أزمتين رئيسيتين. أزمة أولى تتعلق بشبه ديمقراطية لا وظيفة لها إلا منح المافيا صفة تمثيلية مذهبية ومناطقية، تسهل لها إحكام سيطرتها على مقدرات الدولة بكامل تفاصيلها. وأزمة ثانية تتعلق بتموضع لبنان، الواقع تحت هيمنة ميليشيا «حزب الله»، في محور معادٍ عملياً لكل من للبنان مصلحة سياسية واقتصادية معه، سياحة وتجارة واقتصاداً.

كل الانهيار اللبناني المرشح للتنامي ناتج عن عمليات قسرية لتأبيد هاتين الأزمتين.

من السودان ينبغي على لبنان أن يتعلم أن إعادة التموضع في الصراعات الإقليمية، قادرة على إعادة إنتاج واقع اقتصادي واجتماعي يحمل وعوداً بمستقبل أفضل.

بلغ إجمالي ديون السودان 50 مليار دولار على الأقل بنهاية 2019، وفقاً لصندوق النقد الدولي، في حين يمكن أن تصل هذه الديون إلى حدود 60 مليار دولار، مستحقة لمنظمات متعددة الأطراف مثل الصندوق والبنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية ودائني نادي باريس، وأكبر الحصص فيها لفرنسا والنمسا والولايات المتحدة، وديون مستحقة لدول خارج النادي مثل الكويت والسعودية والصين.

يعلن السودان عبر إعادة التموضع السياسي، ومن خلال اتفاق التطبيع مع إسرائيل، إنهاء عقود من جعل السودان قاعدة لتدريب الإرهاب السني والشيعي، وتوظيف بلد بكامله ضمن محور تقوده إيران ولا يمت بمصالح الشعب السوداني بأي صلة فعلية.

وتأمل الخرطوم أن يمهد هذا التحول السياسي، كما ظهر في مؤتمر باريس الأخير، لأن يكون رافعة لإعادة دمج السودان في المجتمع الدولي ودعم الاستراتيجية الانتقالية فيه من خلال إعفائه من شطور كبيرة من ديونه وتزويده بمنح ضخمة. وبالفعل أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الإلغاء التام لديون السودان المستحقة لباريس، البالغة قرابة 5 مليارات دولار. كما حظي السودان بحزم دعم من مصر والسعودية والإمارات….نقلاً عن الشرق الأوسط

اترك تعليقاً